المقريزي
369
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فجمع الخليفة القادر الأشراف والقضاة ، وأخرج إليهم رسالة تتضمّن : أنّ الإسفراييني أدخل على أمير المؤمنين مداخل أوهمه فيها النّصح والشّفقة والأمانة ، وكانت على أصول الدّخل والخيانة . فلمّا تبيّن له أمره ، ووضح عنده خبث اعتقاده ، فيما سأل فيه من تقليد الباوردي « ( a » الحكم بالحضرة ، من الفساد والفتنة والعدول بأمير المؤمنين عمّا كان عليه أسلافه من إيثار الحنفيّة وتقليدهم واستعمالهم ، صرف الباوردي « ( a » وأعاد الأمر إلى حقّه ، وأجراه على قديم / رسمه ، وحمل الحنفيّين على ما كانوا عليه من « b ) » العناية والحراسة والإعزاز والكرامة « ( b » ، وتقدّم إليهم بأن لا يلقوا أبا حامد ، ولا يقضوا له حقّا ، ولا يردّوا عليه سلاما . وخلع على أبي محمد الأكفاني ، وانقطع أبو حامد عن دار الخلافة ، وظهر التّسخّط عليه والانحراف عنه ، وذلك في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة ، واتّصل ببلاد الشّام ومصر . وأوّل من قدم بعلم مالك إلى مصر عبد الرّحيم بن خالد بن يزيد أبو « ( c » يحيى ، مولى جمح ، وكان فقيها ، روى عنه اللّيث وابن وهب ورشدين « ( d » بن سعد ، وتوفي بالإسكندرية سنة ثلاث وستين ومائة . ثم نشره بمصر عبد الرّحمن بن القاسم ، فاشتهر مذهب مالك بمصر أكثر من مذهب أبي حنيفة ، لتوفّر أصحاب مالك بمصر . ولم يكن مذهب أبي حنيفة - رحمه اللّه - يعرف بمصر . قال ابن يونس : وقدم إسماعيل بن اليسع الكوفي قاضيا بعد ابن لهيعة ، وكان من خير قضاتنا ، غير أنّه كان يذهب إلى قول أبي حنيفة ، ولم يكن أهل مصر يعرفون مذهب أبي حنيفة ، وكان مذهبه إبطال الأحباس ، فثقل أمره على أهل مصر ، وسئموه « 1 » . ولم يزل مذهب مالك مشتهرا بمصر حتى قدم الشّافعيّ محمد بن إدريس إلى مصر ، مع عبد اللّه بن العبّاس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس ، في سنة ثمان وتسعين ومائة . فصحبه من أهل مصر جماعة من أعيانها - كبني عبد الحكم ، والرّبيع ابن سليمان ، وأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنيّ ، وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي - وكتبوا عن الشّافعي ما ألّفه ، وعملوا بما ذهب إليه . ولم يزل أمر مذهبه يقوى بمصر ، وذكره ينتشر « 2 » .
--> ( a بولاق : البارزي . ( b - b بولاق : من العناية والكرامة والحرمة . ( c بولاق : بن . ( d بولاق : رشيد . ( 1 ) ابن يونس : تاريخ ( تاريخ الغرباء ) 38 - 39 ؛ ابن حجر : رفع الإصر 89 . ( 2 ) الإمام محمد بن إدريس الشّافعي ، أحد الأئمّة الأربعة عند أهل السّنّة ، المتوفى بمصر سنة 204 ه / 819 م . وهو مؤسّس علم أصول الفقه بكتابه الشهير « الرّسالة » ، نشره أحمد محمد شاكر بالقاهرة سنة 1939 . وجاء مذهبه -